ششش… تعال قرّب مني يا بعد عمري، وتلحّف زين. الليلة بقول لك قصة عن ولد صغير ضاع منه شي غالي على قلبه… وعن شخص غريب غيّر نظرته للعالم. وكل شي بدأ بقلادة صغيرة. يوم كان وليام صغير، كانت أمه تسافر وايد بسبب شغلها. وأحياناً تغيب عنه كم يوم. كان يدري إنها تحبه، بس الوداع ما كان سهل عليه أبد. وفي يوم، عطته قلادة صغيرة. داخلها صورة صغيرة لأمه، وكانت تبتسم له فيها. قالت له: «كل ما اشتقت لي، افتحها وطالع صورتي، اتفقنا؟» وليام كان يحب هالقلادة وايد. يلبسها وين ما راح، وكل ما اشتاق لأمه، يفتحها ويطالع صورتها. لكن في يوم من الأيام، صار شي غيّر كل هذا. بعد حصة الرياضة، راح وليام يتروش. فصخ القلادة وحطّها جنب المغسولة، وبعد ما خلّص، استعجل ورجع للفصل ونساها. ولما تذكّرها وركض يرجع ياخذها… ما لقاها! دوّر في كل زاوية. ربعه ساعدوه، وحتى المدرّس دوّر معاه. ولا أثر لها. هذيك الليلة، تمدّد وليام على سريره، وحط إيده على صدره، في المكان اللي كانت القلادة دايم معلّقة فيه. ما بكى. بس ظل متمدّد في الظلام، يطالع السقف. ومن ذاك اليوم، كل ما كان معاه شي غالي على قلبه، صار يتمسّك فيه أكثر من قبل. وما عاد يتوقع إن شخص غريب بيرجّع له شي ضاع منه.
مرّت السنين… كبر وليام، وسافر لليابان عشان يكمل دراسته. وفي ليلة، تعشّى في مطعم صغير وطلع منه. وبعد عشر دقايق تقريباً، مدّ إيده في جيبه. فاضي! محفظته ضاعت! فلوسه، وبطاقاته البنكية، وبطاقة الطالب… وحتى جواز سفره! كل شي كان داخلها. ركض ورجع للمطعم، بس محد شافها. دوّر في الشوارع القريبة، وبعدين راح بسرعة لمركز الشرطة. الشرطي سمع منه بهدوء وقال: «تعال بكرة. يمكن أحد يكون لقاها وسلّمها لنا.» هذيك الليلة، وليام يا دوب قدر ينام. رجع له نفس الشعور اللي حس فيه يوم ضاعت قلادة أمه. لكن صباح اليوم الثاني، صار شي ما كان يتوقعه. يوم رجع وليام لمركز الشرطة، فتح الشرطي درج المكتب وطلّع كيس شفاف. «هذي محفظتك؟» وليام وقف يطالعها، مو مصدّق عيونه. محفظته! فتحها بسرعة. البطاقات موجودة، وجواز السفر موجود… وحتى الفلوس ما نقص منها شي! سأل بدهشة: «شلون وصلت عندكم؟» قال الشرطي: «واحد لقاها وجابها لنا.» اتصل الشرطي على أحد، وبعد شوي دخل شاب اسمه آبي. كان شاب عادي، ما فيه شي يميّزه عن أي شخص ممكن تشوفه في الشارع. قال الشرطي: «هذا هو اللي لقى محفظتك.» راح وليام له بسرعة وقال: «مشكور وايد! والله ما أدري شكنت بسوي لولا مساعدتك!» ابتسم آبي بأدب وقال: «العفو. الواحد إذا لقى شي ضايع، المفروض يرجّعه لصاحبه.» لكن يوم كان وليام بيطلع، ناداه آبي: «لحظة لو سمحت. حسب القانون الياباني، الشخص اللي يلقى غرض ضايع ويرجّعه، من حقه يطلب مكافأة من صاحبه. وعادةً تكون نسبة من قيمة الغرض.» وقف وليام مكانه. لحظة… يبي فلوس؟ قبل شوي كان يشوف آبي إنسان طيب… بس الحين، ما عاد يدري شيفكّر فيه. بس هو لقاها ورجّعها… ليش لازم أدفع له؟ طالع الشرطي، لكن الشرطي ما استغرب أبد، كأن الموضوع طبيعي. بعدين نزل وليام عيونه على المحفظة اللي في إيده. لولا آبي، يمكن للحين قاعد يدوّر على جواز سفره، ويلغي بطاقاته البنكية، ومحتار شيسوي. فتح محفظته، وطلّع منها شوية فلوس، وعطاها لآبي. وقال له مرة ثانية: «شكراً لك.» آبي أخذ المكافأة، وكل واحد راح في طريقه. لكن وليام ظل يفكّر في سالفة المكافأة حتى بعد ما مشى.
وبعد كم شهر… كان وليام مستعجل ويمشي في محطة المترو، في طريقه للشغل، وفجأة لمح تلفون طايح على الأرض. انحنى وشاله، وطالع الساعة. يا ساتر! بتأخر عن الدوام. طالع صوب مكتب خدمة الركاب. إذا سلّمته، يمكن يطلبون مني أعبّي أوراق وأترك بياناتي… يا كثر عوار الراس! كان خلاص بيمشي. لكن تذكّر آبي. وخطرت في باله فكرة. لحظة… إذا رجّعت هالتلفون، يمكن صاحبه يعطيني مكافأة أنا بعد! طالع الساعة مرة ثانية. زين… يمكن كم دقيقة ما تضر. لف وليام ورجع، وراح على طول لمكتب خدمة الركاب. «لو سمحت، لقيت هالتلفون. وهذي بيانات التواصل معاي.» وبعدين استعجل وراح لشغله.
بعد فترة، صاحب التلفون قدر يسترجعه، وعطى وليام مكافأة، مثل ما تسمح به القوانين. ووليام أخذها وهو مستانس. وهني، فجأة، فهم السالفة كلها. تذكّر شلون تضايق يوم آبي طلب منه فلوس مقابل إرجاع المحفظة. والحين، هو بنفسه قاعد ياخذ مكافأة، وعلى وجهه ابتسامة! لو ما كانت فيه مكافأة، هل كان بيتحمّل هالعناء ويرجّع التلفون؟ يمكن إيه… ويمكن لا. لكن اليوم، رجّعه. وفي مكان ما، كان فيه شخص ماسك تلفونه اللي كان ممكن يضيع منه للأبد. ولأول مرة، فهم وليام شي ما كان يعرفه يوم كان صغير. العالم اللي الناس يثقون فيه، مو لازم يكون كل اللي فيه ناس مثاليين. أحياناً، كل اللي نحتاجه قوانين زينة تعطي الناس العاديين سبب يشجّعهم يسوّون الشي الصح. الطيبة تبدأ من القلب… بس القوانين الزينة تخلّي فعل الخير أسهل على الناس. وهني خلصت قصتنا الليلة. تصبح على خير يا بعد قلبي… وأحلامك حلوة.