ششش… يا بعد عمري، تعال قرّب مني وخلّني أغطّيك زين. الليلة عندي لك قصة مميزة عن بنت اسمها لوسي. لوسي كانت جميلة بشكل لافت. طويلة، وشعرها أشقر وطويل، وعيونها زرقاء تلمع تحت نور الشمس. وين ما راحت، الناس تلتفت لها. وايد ناس كانوا يتمنّون يصيرون أصدقاءها، وشباب كثير كانوا معجبين فيها. يمكن تتوقع إن بنت مثل لوسي كانت أسعد إنسانة في الدنيا، صح؟ لكن الغريب… كل شاب ارتبطت فيه لوسي، كان في النهاية يبتعد عنها ويتركها! تتوقع ليش؟
عشان نفهم، لازم نرجع لأيام ما كانت لوسي صغيرة. لوسي كانت الأميرة المدلّلة عند أمها وأبوها. إذا بغت لعبة، يشترونها لها. وإذا اشتهت حلوى، يحضّرونها لها. وكل ما تضايقت أو ما صار اللي تبيه، كانت تزعل وتبوز أو تبكي. وأول ما يشوفون دموعها، يلين قلبهم ويوافقون على طلبها. «خلاص، خلاص يا حبيبتي، لا تبكين.» «طيب، ماما موافقة.» وشوي شوي، تعلّمت لوسي شيئاً من غير ما تنتبه: إذا زعلت، الناس في النهاية بيسوّون اللي تبيه. ولما كبرت، كبرت معاها هالفكرة، وصارت تأثّر حتى على علاقاتها: «إذا أحد يحبني صدق، لازم يتصرف معاي بالطريقة اللي أنا أبيها.»
وفي ليلة من الليالي، اضطر حبيب لوسي يشتغل لوقت متأخر، وما قدر يتعشّى معاها مثل ما كانوا متفقين. لوسي عصّبت وايد! «يعني شغلك أهم مني؟» بالنسبة لها، الموضوع كان بسيط: «إذا تحبني صدق، المفروض ما تسوي شيء يزعلني.» وكل ما واحد من الشباب اللي ارتبطت فيهم خيّب أملها، كانت تعلي صوتها وتلومه. أحياناً تسكّر الباب بقوة من العصبية، وأحياناً تقاطعه وما تكلمه لأيام. في البداية، كانوا يعتذرون ويحاولون يرضونها. لكن مع الوقت، تعبوا. كانت الخلافات تخلص… بس المسافة بينهم وبين لوسي تكبر أكثر وأكثر. وواحد ورا الثاني، تركوها. لوسي انكسر خاطرها. وفي ليلة، وهي قاعدة بروحها في غرفتها، همست بحزن: «ليش كل الناس يتركوني في النهاية؟»
وفي يوم من الأيام، وقفت لوسي جدام المراية، ولاحظت كم خط صغير بدأ يظهر على وجهها. لسنوات طويلة، كانت تعتقد إن جمالها كافي عشان يخلي الناس يتمسكون فيها. لكن فجأة، استوعبت شيئاً ما فكّرت فيه من قبل: الجمال ممكن يخلي الناس تلتفت لك… لكنه ما يقدر يخليهم يحبونك. راحت لوسي صوب الدريشة وطالعت تحت. شافت جارتها تعطي زوجها كوب ماي يوم رجع من الدوام. ما قالوا كلام كثير. بس طالعوا بعض وابتسموا. هاللحظة الصغيرة والهادية وجعت قلب لوسي. ولأول مرة، سألت نفسها: «ليش أنا أبي الحب بهالقوة… لكن بطريقة ما، كل مرة أبعده عني؟»
وبعد كم يوم، طلعت لوسي تتمشى في الحديقة. وهناك، شافت ولد صغير يحاول يدرّب جروه. كان الولد واقف على العشب ويصيح: «اقعد!» لكن الجرو كان يهز ذيله ويشمشم العشب، ولا كأنه سمع شيء. «اقعد!» الولد صاح بصوت أعلى! الجرو نزّل أذانه، وصار شكله خايف. قال الولد وهو متضايق: «ليش ما تفهم؟!» قربت لوسي منه وسألته بهدوء: «ليش تكلمه كأنه يفهم كلام البشر مثلك؟» الولد استغرب وقال: «بس أنا قلت له نفس الشيء وايد مرات!» نزلت لوسي على ركبتها جنب الجرو وقالت: «هو ما يفهم كلماتك بنفس الطريقة اللي أنت تفهمها.» رمش الولد باستغراب وسألها: «أجل شنو يفهم؟» فكّرت لوسي شوي، وبعدين قالت: «نبرة صوتك… وتعابير وجهك… ومشاعرك.» وكملت: «لما تظل تصرخ عليه، هو ما يفهم إنك تبيه يقعد. كل اللي يفهمه إنك تخوّفه.» سكت الولد. وهالمرة، نزل على ركبته، وبدأ يكلم الجرو بصوت هادي ولطيف. وبعد شوي، الجرو قعد بهدوء، ورجع يهز ذيله! الولد ابتسم بفرحة. لكن لوسي… وقفت مكانها، كأنها تجمّدت! وفجأة، طرت في بالها فكرة: «لحظة… معقولة أنا كنت أسوي نفس الشيء؟» طول هالسنين، كانت تبي الناس يفهمون مشاعرها. لكن هل هي وقفت في يوم وحاولت تفهم مشاعرهم؟ في هاللحظة، فهمت لوسي شيئاً مهماً: إذا تبي أحد يقرّب منك، مو كفاية تطلب منه يفهم عالمك ومشاعرك. لازم أنت بعد تتعلّم شلون تدخل عالمه وتشوف الأمور من ناحيته.
وبعد كم أسبوع، كانت لوسي تشتغل مع زميل لها اسمه ويليام. وبالغلط، ويليام حط أرقام غير صحيحة في تقرير مهم. لوسي فقدت أعصابها وصاحت عليه: «شلون تكون مهمل لهالدرجة؟!» ويليام نزّل راسه وسكت. للحظة، لوسي حسّت إنها ارتاحت شوي بعد ما طلّعت عصبيتها. لكن بعد كم دقيقة… الأرقام الغلط كانت للحين موجودة. والمشكلة ما انحلّت! والأسوأ، إن ويليام، اللي كان مستعد يساعدها قبل شوي، صار ساكت وما عاد يتكلم. وفجأة، تذكّرت لوسي الجرو الصغير اللي كان خايف في الحديقة. واستوعبت إنها خلّت ويليام يحس بشعور سيئ، مع إن اللي كانت تبيه فعلاً هو إصلاح التقرير! أخذت لوسي نفس عميق، ورجعت له. قالت: «ويليام، أنا آسفة. كنت معصّبة. شرايك نشوف المشكلة ونحلّها مع بعض؟» رفع ويليام راسه. وقعدوا مع بعض، وراجعوا التقرير، لين لقوا الغلط وصلّحوه.
وفي هاليوم، فهمت لوسي شيئاً ما راح تنساه. مشاعرها ما كانت هي المشكلة. إنها تبي أحد يحبها، هذا مو غلط. وإنها تزعل أو تعصب، هذا بعد مو غلط. لكن السؤال الحقيقي كان: «هل الطريقة اللي أتصرف فيها الحين، فعلاً تساعدني أوصل للشيء اللي أبيه؟» ومن هاليوم، بدأت لوسي تتغيّر شوي شوي. ما عادت تستخدم الغضب عشان تجبر الناس يثبتون لها إنهم يحبونها. بدل هذا، تعلّمت شلون تعبّر عن اللي تحتاجه، وتسمع للآخرين لما يعبّرون عن احتياجاتهم بعد. ومرت السنين… وفي النهاية، قدرت لوسي تبني العلاقة الحلوة اللي طول عمرها كانت تتمناها. مو لأنها صارت أجمل. لكن لأنها تعلّمت شلون تحب… من غير ما تحاول تتحكّم في الشخص اللي تحبه.
والحين يا بعد عمري، أبيك تتذكّر شيء من قصة الليلة. المرة الجاية لما تحس إنك معصّب وايد، جرّب تسأل نفسك سؤالين: «لو أنا مكان الشخص الثاني، شلون كنت أتمنى يعاملني؟» وبعدين اسأل نفسك: «هل اللي أسويه الحين، فعلاً يساعدني أوصل للشيء اللي أبيه من قلبي؟» وهذي كانت قصتنا لليلة يا حبيبي. تصبح على خير، ونام مرتاح… وأحلامك كلها حلوة.
