ششش… تعال يا بعد عمري، قرّب مني وخلّني أغطّيك زين. الليلة بقول لك قصة عن الأحلام. من زمان وايد، في قرية صغيرة اسمها «قرية الأمل»، كان يعيش ثلاثة أصدقاء ما يفارقون بعض. كل واحد فيهم كان شايل في قلبه حلم يلمع مثل النجمة. لكن الغريب… بعد ما مرت سنين طويلة، واحد بس منهم قدر يحقق حلم طفولته! تتوقع ليش؟ تعال خلّني أحكي لك القصة من البداية… من يوم كانوا للحين أطفال. أول واحد كان اسمه إيلي. إيلي كانت عيونه هادية وطيبة، وكان يحب الحيوانات حب كبير. وفي يوم من الأيام، لقى عصفور صغير متخبّي بين العشب، وجناحه مصاب. شاله بين إيدينه بكل حذر، وهمس له: «لا تخاف يا صغيري… أنا بساعدك.» ومن هاليوم، صار إيلي يحلم إنه يكبر ويصير طبيب بيطري يعالج الحيوانات. أما صديقه الثاني، فكان اسمه ثيو. ثيو كان يحب يقعد جنب الجدول الصغير اللي يمر بالقرية، ويحط دفتره القديم على ركبته، ويكتب فيه صفحة ورا صفحة من القصص. كان حلمه يصير كاتب. والصديق الثالث كان ماكس. ماكس كان يحب يوقف فوق التل اللي برّا القرية. وكل ما هبّ الهوا من حوله، يفتح ذراعيه على وسعهم، ويتخيّل نفسه يطير فوق الغيوم. وكان حلمه يصير طيّار. الأصدقاء الثلاثة كانوا دايماً يجتمعون تحت شجرة بلوط كبيرة وقديمة، ويسولفون عن أحلامهم، وعن الأشخاص اللي بيتحوّلون لهم لما يكبرون. وكانوا تؤمنون بفكرة بسيطة: «إذا اجتهدنا بما فيه الكفاية، أكيد أحلامنا بتتحقق.»
لكن لما كبروا، واجهوا أول عقبة كبيرة في حياتهم. الثلاثة انقبلوا في جامعات بالمدينة! فرحوا وايد… لكن يوم شافوا رسوم الدراسة، انصدموا. عائلاتهم ما كانت غنية. أهاليهم كانوا يشتغلون ويتعبون كل يوم، بس عشان يوفرون الأكل والبيت اللي يحمي عائلاتهم. وفجأة، حسّوا إن أحلامهم صارت بعيدة وايد. وفي يوم من الأيام، اجتمع الأصدقاء الثلاثة مرة ثانية تحت شجرة البلوط القديمة. إيلي كان أول واحد يتكلم. قال: «يمكن نبيع بيتنا ونستخدم الفلوس عشان ندفع رسوم الجامعة.» لكن أول ما قال هالكلام… سكت. لأن البيت ما كان مجرد خشب وجدران. كان المكان اللي تجتمع فيه عائلته على الأكل، واللي ينام فيه إخوانه وخواته الصغار، واللي يحميهم من برد الشتاء. ماكس طالع بيته الصغير اللي كان يقدر يشوفه من بعيد. وبعد سكوت طويل، هز راسه وقال بهدوء: «الأحلام مهمة… بس ما أقدر أطارد حلمي إذا كان الثمن بيت أهلي.» وبعد فترة قصيرة، لقى ماكس وظيفة مستقرة في القرية. لكنه ما صار طيّار. أما ثيو، ففكّر في طريقة ثانية. قال: «طيب، ليش ما نستلف فلوس من أقاربنا وأصدقائنا؟» وفعلاً، بدوا يروحون من بيت لبيت. في البداية، كان الناس يبتسمون ويرحّبون فيهم. لكن أول ما يسمعون كلمة «سلفة»… تتغيّر وجوههم! بعضهم يطالع بعيد. وبعضهم يطلع عذر. وبعضهم يسكّر الباب بهدوء. وبعد رفض جديد، نزّل ثيو راسه وقال: «يمكن بعض الأحلام تكلفتها أكبر من قدرتنا.» وفي هالليلة، سكّر ثيو دفتره المليان قصص، ودفعه لآخر الدرج.
لكن إيلي ما قدر يسوي نفس الشيء. في هالمساء، قعد بروحه عند مكتبه. وقدّامه ورقتين. على الورقة الأولى كتب: الطريقة الأولى: نبيع البيت. — لا. وعلى الورقة الثانية: الطريقة الثانية: نستلف من الناس. — ما ضبطت. ظل إيلي يطالع الورقتين فترة طويلة. وبعدين تذكّر كلام كان أبوه دايماً يقوله له: «يا ولدي، أغلب المشاكل لها أكثر من حل. إذا الطريقة الأولى والثانية ما نفعت، دوّر على طريقة ثالثة.» مسك إيلي قلمه. وكتب تحت السطرين سؤال: «شنو الطريقة الثالثة؟» لكن في هاللحظة… ما كان عنده أي جواب. كان تعبان. وكان خايف. وحتى إنه بدأ يفكّر إن ثيو يمكن كان عنده حق. يمكن الأفضل إنه يحط حلمه على جنب هو بعد. لكن في صباح اليوم الثاني، رجع إيلي ومسك قلمه من جديد. أول شيء، كتب رسالة للجامعة وشرح لهم ظروف عائلته. وبعد فترة، ردّوا عليه وعرضوا عليه منحة دراسية جزئية. فرح إيلي! المنحة ساعدته، لكنها ما كانت تكفي لكل المصاريف. فكمل يدور. قدّم على مساعدات مالية، ولقى جهة ثانية تقدر تساعده بمبلغ صغير. صار أقرب لهدفه… لكن للحين، الفلوس ما كانت تكفي.
وهني تذكّر إيلي رجل اسمه العم ديفيد. كان أغنى رجل في قرية الأمل. كل أهل القرية يعرفونه، لكن العم ديفيد ما كان يعرف إيلي. والناس حذّروه وقالوا له: «ترى العم ديفيد ما يسلّف ناس ما يعرفهم!» ومع هذا، قرر إيلي يجرّب. مشى لين وصل لبيت العم ديفيد الخشبي الكبير. وقف جدام الباب فترة طويلة. رفع إيده عشان يطق الباب… وبعدين تردّد. «وش لو قال لي لا؟» أخذ إيلي نفس عميق… وطق الباب على أي حال. فتح العم ديفيد الباب، وسمع إيلي وهو يشرح له سبب زيارته. وبعدين سأله: «ليش أسلّف فلوس لشخص أنا أصلاً ما أعرفه؟» طلع إيلي أوراقه. ورّاه رسالة قبوله في الجامعة، وأوراق المنحة الدراسية، والخطة اللي كان مجهّزها بنفسه. وقال له: «أنا قدرت أوفّر أغلب المبلغ بنفسي. ما بقى إلا جزء صغير وأحتاج مساعدتك فيه.» وكمل: «إذا تسلّفني المبلغ، أوعدك أرجّع لك كل فلس أول ما أبدأ أشتغل.» سكت شوي، وبعدين قال: «وإذا قلت لي لا… بكمل أدور على طريق ثاني.» ظل العم ديفيد يطالع الشاب اللي واقف قدّامه بهدوء. من سنين طويلة، هو بعد مرّ بمشاكل كان يحس إنها مستحيلة. وفي النهاية، هز راسه وقال: «بسلّفك المبلغ.» وبعدين أضاف: «بنكتب بالضبط شكثر عليك، ولما تبدأ تشتغل، ترجع لي الفلوس.» وابتسم وقال: «وفي يوم من الأيام، إذا قدرت… عطِ شخص ثاني فرصة مثل هالفرصة.»
وبفضل المنحة الدراسية، والمساعدة المالية اللي لقاها، والسلفة من العم ديفيد، قدر إيلي أخيراً يدخل الجامعة! ومرت السنين… وصار إيلي طبيب بيطري، مثل ما كان يحلم من يوم هو صغير. كان يعالج الكلاب المصابة، والخيول الخايفة، والعصافير الصغيرة اللي أجنحتها مكسورة، وحتى الحيوانات اللي أصحابها كانوا تقريباً فاقدين الأمل في شفائها. ورجّع كل فلس كان مستلفه من العم ديفيد. وكل ما أحد سأله شلون قدر يتجاوز هالسنين الصعبة ويحقق حلمه، كان إيلي يتذكّر الورقتين اللي على مكتبه، والخطتين اللي ما ضبطوا. وبعدين يبتسم ويقول: «لما تحس إن شيء مستحيل، لا تستعجل وتقول: ما فيه حل. يمكن الطريقة الأولى ما تنفع. ويمكن الطريقة الثانية بعد ما تضبط. بس جرّب تسأل نفسك سؤال واحد زيادة… شنو الطريقة الثالثة؟» وهذي كانت قصتنا لليلة يا بعد عمري. تصبح على خير يا حبيبي. غمّض عيونك، ونام مرتاح… وأحلامك كلها حلوة.
