ششش… يا بعد عمري، تعال قرّب مني وخلّني أغطّيك زين. الليلة بقول لك قصة عن السعادة. بطل قصتنا رجل اسمه كيفن. لما كان كيفن صغير، كان يؤمن بفكرة بسيطة جداً: «لو عندي الأشياء اللي عند غيري، أكيد بكون سعيد.» ومرت السنين، وكيفن فعلاً قدر يحصل على أشياء كثيرة كان يحلم فيها. لكن الغريب… السعادة ظلت بعيدة عنه. لين جاء يوم، وتذكّر كلام قاله له رجل قاعد على كرسي متحرك من زمان. تتوقع شنو الشيء اللي كان كيفن ناسيه طول هالوقت؟ تعال، خلّني أحكي لك القصة من البداية… من يوم كان للحين ولد صغير.
كيفن كبر في عائلة ظروفها المادية على قد حالها. ما كان عنده ألعاب فخمة، ولا أحدث ألعاب الفيديو. وأحياناً، كان يقعد تحت ظل شجرة، ويتفرّج على الأطفال الثانيين وهم يتسابقون بسياراتهم الصغيرة اللي تشتغل بالريموت فوق العشب. السيارات كانت تلمع تحت الشمس، وتطلع أصوات خفيفة وهي تنطلق بسرعة من جنبه. وكيفن يطالعها ساكت. كان يموت ويبي وحدة مثلها! وشوي شوي، بدأت تكبر في راسه فكرة: «يمكن الناس اللي عندهم أشياء أكثر… يكونون أسعد.»
ومرت الأيام، وكبر كيفن وصار يشتغل مندوب توصيل. وكان شغله متعب وايد. في الشتاء، الهوا البارد يلسع وجهه، ويخلّي أصابعه حمرا ومتخدّرة من البرد. وفي الصيف، الحر يبلّل قميصه بالعرق، وهو يشيل الطرود الثقيلة ويطلع وينزل من عمارة لثانية. وفي نهاية كل شهر، كان يطالع راتبه ويتنهّد. بعض أصحابه كانوا يشتغلون في مكاتب مريحة، ورواتبهم أعلى منه. اشتروا سيارات جديدة، وانتقلوا لبيوت جميلة. وكيفن كان يطالع حياته ويفكّر: «لو عندي فلوس أكثر، أكيد بكون سعيد.»
وفي يوم من الأيام، كان عنده طرد ثقيل لازم يوصّله لعمارة قديمة. لكن العمارة ما كان فيها مصعد! اضطر كيفن يطلع الدرج، درجة ورا درجة، لين وصل الدور السادس. كانت إيدينه تعوّره، ونَفَسه متقطّع من التعب. طقّ الباب. وبعد شوي، انفتح الباب، وظهر له رجل في منتصف العمر، قاعد على كرسي متحرك، وشعره بدأ يخالطه الشيب. اسمه فرانك. ابتسم فرانك ابتسامة دافية، واستلم الطرد. وبعدين حرّك كرسيه بهدوء وراح المطبخ. وبعد لحظات، رجع ومعاه كاس ماي بارد. كيفن مسك الكاس بإيدينه الثنتين. وبعد هالتعب وطلوع الدرج، كاس الماي البارد كان يسوى الدنيا! طالع كيفن فرانك، وما قدر يمنع نفسه من السؤال: «عمي فرانك… إنت ما تقدر تمشي بحرّيتك مثل قبل. بس ليش أحسّك دايماً مستانس ومرتاح؟»
طالع فرانك رجوله. وللحظة، سكت وما قال شيء. وبعدين ابتسم بهدوء وقال: «بقول لك الصدق يا كيفن… في البداية، ما كنت سعيد أبداً. بعد ما فقدت رجولي، كنت معصّب كل يوم. وكل اللي كنت أفكّر فيه هو الأشياء اللي خسرتها.» سكت شوي، وبعدين كمل: «لكن بعد فترة، استوعبت شيء مهم. إذا ظلّيت أطالع بس الأشياء اللي فقدتها، بنسى أشوف كل الأشياء اللي للحين عندي. الناس اللي أحبهم… والأشياء اللي للحين أقدر أسويها… والقرارات اللي للحين أقدر اتخذها بنفسي.» كيفن سمع كلامه. وفهم الكلمات… لكن ما استوعب معناها من قلبه. لأنه في داخله، كان للحين مقتنع بنفس الفكرة: «لو عندي فلوس، أكيد بكون سعيد.»
وعشان جذي، قرر يترك شغل التوصيل، وبدأ يشتغل في شراء المنتجات النادرة وإعادة بيعها. كان يساعد الناس يلقون أشياء مميزة ما عندهم وقت يدورونها بنفسهم. وشوي شوي، بدأ يكسب فلوس أكثر وأكثر. وبعد كم سنة، اشترى كيفن سيارة جميلة. وأول مرة قعد على كرسي السواق، مرّر إيده على المقود المغطّى بالجلد الناعم. وريحة السيارة الجديدة تارسة المكان. ابتسم كيفن وقال لنفسه: «أخيراً… صار عندي الشيء اللي طول عمري أبيه!» وبعد فترة، انتقل لشقة فخمة، فيها شبابيك زجاجية ضخمة تمتد من الأرض للسقف. وفي الليل، كانت آلاف أضواء المدينة تلمع تحته مثل النجوم. كل شيء كان يبدو مثالياً. لكن كانت فيه مشكلة وحدة… ما كان عنده أحد يشاركه كل هذا. أحياناً، كان يوقف عند الشباك فترة طويلة، ويطالع المدينة. عنده السيارة. وعنده الشقة. وعنده الفلوس. لكن رغم كل هذا… كان يحس إن فيه شيء ناقص. وأحياناً، وسط الصالة الكبيرة، ما كان يسمع إلا صدى خطواته هو.
وفي يوم من الأيام، بعد الظهر، طق جرس الباب. فتح كيفن. وكان واقف قدّامه شاب صغير، مندوب توصيل، ومعاه طرد. وجهه كله عرق، وقميصه لاصق بظهره من الحر والتعب. تجمّد كيفن في مكانه للحظة… كأنه قاعد يطالع نفسه قبل سنين طويلة! وفجأة، رجعت له ذكريات قديمة. تذكّر حرمة كبيرة في السن، كانت تبتسم له وتقول: «الله يعطيك العافية يا ولدي، مشكور إنك طلّعت لي الأغراض فوق.» وتذكّر أطفال كانوا يركضون للباب وهم يصيحون بفرحة: «وصل مندوب التوصيل! وصل!» وبعدين… تذكّر فرانك. كاس الماي البارد. والكرسي المتحرك. والكلمات اللي قالها له من زمان: «إذا ظلّيت أطالع بس الأشياء اللي فقدتها، بنسى أشوف كل الأشياء اللي للحين عندي.»
التفت كيفن، وطالع شقته الجميلة. ولأول مرة… فهم! الفلوس فعلاً خلّت حياته أسهل. لكن طول هالسنين، كان مشغول يطالع الأشياء اللي عند غيره، لدرجة إنه نسي ينتبه للأشياء اللي كانت عنده من البداية. خبرته في الحياة. وفضوله وحبّه لتعلّم أشياء جديدة. والناس اللي حوله. وقدرته على اختيار نوع الحياة اللي يبي يبنيها لنفسه. ومن هاليوم، بدأ كيفن يتغيّر. صار يقرأ أكثر، واكتشف شكثر يحس بالراحة لما يندمج في كتاب حلو وينسى الوقت وهو يقرأه. وتعلّم يلعب الشطرنج مع أصحابه، وصار يستمتع بالقعدة الهادية وهو يفكّر في كل حركة قبل ما يسويها. وأحياناً، كان يقعد بكل بساطة جنب الشباك، ويتفرّج على نور الشمس وهو يتحرّك شوي شوي فوق أرضية الغرفة. كانت لحظات عادية جداً. لكن كيفن صار ينتبه لها. وبطريقة غريبة… صار يحس إنها تكفيه.
والحين يا بعد عمري، أبيك تتذكّر شيء من قصة الليلة. يمكن عندك أشياء أكثر مما تتوقع. عشان جذي، لما تحس إن فيه شيء ناقص في حياتك، لا تسأل نفسك بس: «شنو الشيء اللي مو عندي؟» جرّب تسأل نفسك سؤال ثاني: «شنو الأشياء اللي عندي من الحين… وأقدر أستفيد منها؟» أحياناً، أول خطوة لحياة أحسن مو إنك تحصل على شيء جديد. أحياناً، كل اللي تحتاجه هو إنك تنتبه للأشياء اللي موجودة عندك من البداية. وهذي يا حبيبي كانت قصة كيفن… والسعادة اللي كاد يفوّتها من غير ما ينتبه لها. تصبح على خير يا بعد عمري. غمّض عيونك، ونام مرتاح… وأحلامك كلها حلوة.