قصة مافاريو — شنو تعلّمنا أخطاؤنا؟

ششش… يا بعد عمري، تعال قرّب مني وخلّني أغطّيك زين. الليلة بقول لك سر صغير من بلدة هادية وجميلة اسمها إيلتون. من زمان، كان يعيش فيها شاب اسمه مافاريو. مافاريو كانت عنده عادة تتعب قلبه وايد. كل ما صار شيء غلط، حتى لو كان شيء بسيط، ما كان يقول لنفسه: «أنا غلطت.» كان يقول: «أنا إنسان فاشل.» وكل مرة يقول هالكلام، كان يحس إن غلطته صارت أثقل على قلبه. لكن في يوم من الأيام، اكتشف مافاريو جملة بسيطة غيّرت نظرته للفشل تماماً. تتوقع شنو كانت هالكلمات؟ تعال قرّب مني، وخلّني أحكي لك القصة من البداية.

مافاريو كان يعيش في بلدة إيلتون الصغيرة والهادية. ومن يوم كان طفل، كان يعشق الحلويات. كيك الشوكولاتة، والكريمة المخفوقة، وحلاوة العسل… كل ما شم ريحة شيء حلو، كأن رجوله تتحرك بروحها وتوديه له، قبل حتى ما يقدر يوقف نفسه! وكان كل يوم يقول: «بس لقمة زيادة!» وشوي شوي، بدأ وزنه يزيد. لما يمشي، كانت رجوله تحتك ببعض وتوجعه. وإذا طلع كم درجة من الدرج، لازم يوقف شوي عشان يلقط أنفاسه. لكن أصعب شيء بالنسبة له ما كان جسمه. كان نظرات الناس له. وفي يوم من الأيام، قرر مافاريو يشارك في سباق رياضي بالمدرسة. حاول يركض بكل قوته، لكن لما وصل لنص المضمار، تعبت رجوله وما عاد قدر يكمل. وقف وهو يلهث. وبدأ كم ولد قريب منه يضحكون عليه. وصاح واحد منهم: «شوفوا الدبابة! الدبابة خلص بنزينها!» نزّل مافاريو راسه، وخدوده تحترق من الإحراج. حس إن كلماتهم مثل حصى صغيرة تنرمي على قلبه، وكل وحدة منها تقول له: «إنت ما تقدر!»

لكن مافاريو كان عنده سر صغير. كان معجب ببنت اسمها إيرين، من بعيد ومن غير ما يقول لأحد. ما كان يحلم إنها فجأة تحبه أو تقع في غرامه. كل اللي كان يتمناه شيء بسيط جداً. إنه في يوم، لما يتقابلون في الشارع، تبتسم له إيرين وتقول: «هلا مافاريو!» وعشان جذي، قرر يتغيّر. قرر ينزّل وزنه.

في أول يوم، جرّب يسوي حمية غذائية قاسية. ما أكل الفطور، وبالغدا أكل شيء بسيط جداً. وفي هالليلة، وقف في المطبخ يطالع كيكة موجودة على الطاولة، وهو قابض إيدينه بقوة. وقال لنفسه: «لا! ما راح آكل منها!» لكن لما جاء نص الليل، بدأت بطنه تقرقر… «غرووو… غرووو…» كان الجوع كأنه حيوان بري محبوس داخله، يدفعه ويشدّه، ويطلب منه ياكل أي شيء! وفي النهاية، فتح الثلاجة. لقمة وحدة… وبعدين لقمتين… وبعدين ثلاث… وقبل لا يستوعب شنو صار، كانت الكيكة كلها خلصت! قعد مافاريو على أرض المطبخ الباردة، وأصابعه مليانة كريمة، وعيونه مليانة دموع. وهمس بصوت مكسور: «كنت أدري… حتى هالشيء ما أقدر أسويه. أنا إنسان فاشل.»

وفي اليوم الثاني، قرر يجرّب الرياضة. لبس حذاء الركض، وراح للممشى اللي جنب النهر. في اللفة الأولى، قدر يكمل. وفي اللفة الثانية، حاول يضغط على نفسه أكثر. لكن جسمه كان ثقيل عليه. قلبه صار يدق بسرعة، وصدره يحتر من التعب. ولما وصل اللفة الثالثة، ما عادت رجوله تشيله، وطاح على العشب. ظل يطالع السما الفاضية فوقه. ورجع له نفس الصوت القديم داخل راسه: «شفت؟ فشلت مرة ثانية.» وخلال الأسابيع اللي بعدها، جرّب مافاريو طرق كثيرة ومختلفة. حتى إنه اشترى حبوب للتنحيف كانت توعد بنتائج سريعة. لكن شوي شوي… بدأ يفقد الأمل. وفي النهاية، وقف يحاول.

وفي مساء هادي، طلع مافاريو يتمشى لين وصل ضفة النهر. وهناك، شاف صياد كبير في السن اسمه فيكتور. العم فيكتور كان يجي النهر كل يوم، ومعاه سنارة الصيد ودلوه الصغير. لكن مافاريو لاحظ شيء غريب. فيكتور مو كل يوم يصيد سمك. أحياناً يقعد طول اليوم، ويرجع ودلوه فاضي. وأحياناً يمر عليه يومين كاملين من غير ما يصيد ولا سمكة وحدة! ومع هذا، ما كان يعصّب ولا يتذمّر. كان بكل بساطة يغيّر مكانه، أو يبدّل الطُعم، ويجرّب من جديد. مافاريو استغرب وسأله: «عمي فيكتور، إنت مرات كثيرة ما تصيد ولا سمكة… ليش ما تزعل وتحس إنك فشلت؟» ابتسم فيكتور وقال: «فشلت؟ أنا ما أشوف إني فشلت.» مافاريو استغرب أكثر. «أجل شنو اللي صار؟» طالع فيكتور النهر، ورفع سنارته بهدوء. وقال: «النهر قاعد يعطيني معلومات. يمكن هالمكان مو مناسب اليوم. ويمكن السمك يحتاج طُعم ثاني.» وبعدين ابتسم وكمل: «النهر مو قاعد يقول لي إني صياد فاشل… هو بس يعلّمني شنو أجرّب المرة الجاية.»

هالكلمات ظلت تدور في راس مافاريو. ولأول مرة، بدأ يسأل نفسه: «طيب… يمكن أخطائي أنا بعد قاعدة تحاول تعلّمني شيء؟» يمكن فشل الحمية كان بس يقول له إن تجويع نفسه مو الطريقة المناسبة. ويمكن جسمه اللي تعب بسرعة كان يقول له إنه لازم يبدأ بالتمرين شوي شوي. فجأة، أخطاؤه ما عادت تبدو له مثل أعداء. صارت مثل رسايل صغيرة، كل وحدة منها تحاول تعلّمه شيء. وفي هالليلة، طلع مافاريو دفتر. وكتب في أول صفحة عنوان كبير: «شنو تعلّمني أخطائي؟» وبدأ يكتب: الدرس الأول: تجويع نفسي ما ينفع. الدرس الثاني: لازم أبني قوتي شوي شوي.

وهالمرة، وقف يحارب نفسه. وبدأ يتعلّم عن الأكل والتغذية. اكتشف إن بعض الحلويات تعطيه شعور حلو للحظات، لكن بعدها بفترة قصيرة يرجع يحس بالجوع. وتعلّم شنو الأكلات اللي تعطي جسمه طاقة تدوم فترة أطول. كل يوم، صار يمشي شوي. وكل أسبوع، صار يركض مسافة أطول بشوي. وشوي شوي، خطوة ورا خطوة… بدأ يتغيّر.

ومرت كم شهر. وفي يوم، لبس مافاريو قميص جديد. ما كان أنحف شخص في البلدة، وبطنه كانت للحين مدوّرة شوي. لكن وقفَته صارت أحسن، وعيونه فيها لمعة، وما عاد يبي يستخبّي من الناس. وبينما كان يمشي في شارع مرصوف بالحجارة، مرّت إيرين من جنبه. طالعته وابتسمت. وقالت: «صباح الخير يا مافاريو!» احمرّت خدوده من الخجل والفرحة. إن الشخص اللي أنت معجب فيه ينتبه لك… هذا شعور وايد حلو. لكن تدري يا حبيبي شنو كان أحلى من ابتسامة إيرين؟ إن مافاريو، ولأول مرة في حياته… صار فخور بنفسه.

والحين يا بعد عمري، أبيك تتذكّر سر مافاريو من قصة الليلة. لما تجرّب شيء وما يضبط معاك، هذا مو معناه إنك إنسان فاشل. أحياناً، الغلطة مو إلا رسالة صغيرة تقول لك: «جرّب طريقة ثانية.» وهذا كان السر اللي غيّر حياة مافاريو. وهذي كانت قصتنا لليلة يا حبيبي. غمّض عيونك، ونام مرتاح… تصبح على خير، وأحلامك كلها حلوة.